وهبة الزحيلي
180
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
3 - وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ أي ولولا تفضل اللّه عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي منها الإمهال للتوبة ، ورحمته بكم في الآخرة بالعفو والمغفرة ، لعجلت بكم العقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك . وهذا من الزواجر أيضا . و لَوْ لا هنا لامتناع الشيء لوجود غيره . 4 - إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ، وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ أي لولا تفضل اللّه عليكم ورحمته لمسّكم العذاب حين تلقيكم أي تلقفكم بألسنتكم حديث الإفك وسؤال بعضكم عنه ، وإكثار الكلام فيه ، وقولكم ما لا تعلمون ، وظنكم ذلك يسيرا سهلا ، وهو في شرع اللّه وحكمه أمر خطير عظيم ، من عظائم الأمور وكبائرها ، لما فيه من تدنيس بيت النبوة بأقبح الفواحش ، ورد في الصحيحين : « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه ، لا يدري ما تبلغ ، يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض » و في رواية : « لا يلقي لها بالا » . وهذا أيضا من الزواجر ، فقد وصفهم اللّه بارتكاب ثلاثة آثام ، وعلّق مسّ العذاب العظيم بها ، وهي : الأول - تلقي الإفك بألسنتهم ، أي الاهتمام بالسؤال عنه وبإشاعته ، لا مجرد السماع عفوا ، وإنما يأخذه بعضهم من بعض ، ويذيعه . الثاني - التكلم بما لا علم لهم به ولا دليل عليه ، وهذا منهي عنه في قوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء 17 / 36 ] ، وهو شبيه بقوله تعالى : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ [ آل عمران 3 / 167 ] . الثالث - استصغار ذلك ، وهو عند اللّه تعالى عظيم الإثم ، موجب لشديد العقاب .